في خضم الأحداث المتسارعة التي تشهدها منطقتنا العربية، تبرز تحليلات عديدة لمفكرين وسياسيين حول تداعيات هذه التغيرات على القضايا المحورية. ومن بين الأصوات التي تحاول تسليط الضوء على ما يمكن أن نطلق عليه “الصراع المنسي” يأتي طرح الأستاذ علي الجرباوي، الذي يلخص واقعاً مؤلماً: كيف ألقت الحروب الإقليمية بظلالها الكثيفة على القضية الفلسطينية، لتزيحها عن صدارة الاهتمام العالمي والعربي.
القضية الفلسطينية: من مركز الصدارة إلى الهامش
لطالما كانت القضية الفلسطينية هي القضية المركزية، محوراً للخطاب السياسي والإعلامي، ومحفزاً للتضامن العربي والدولي. ولكن، مع اندلاع سلسلة من الصراعات والحروب في سوريا واليمن وليبيا والعراق، تحولت بوصلة الاهتمامات. أصبحت عناوين الأخبار اليومية لا تتعدى الحديث عن تفاصيل تلك الصراعات الدامية، والبحث عن حلول لأزمات باتت تهدد وجود دول بأكملها.
هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في أولويات الأخبار، بل كان له تأثير عميق على الدعم السياسي والمالي الذي كانت تتلقاه القضية الفلسطينية. فبينما كانت العواصم العالمية تنشغل باللاجئين السوريين واليمنيين، وبتهديدات الإرهاب والتطرف، تضاءلت المساحة المخصصة للحديث عن معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال، وعن حقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة.
حروب المنطقة: ستار يحجب فلسطين
إن الحرب الأهلية في سوريا، والنزاع في اليمن، والاضطرابات في العراق، جميعها خلقت بيئة معقدة استنزفت طاقات دول المنطقة والعالم. أصبحت هذه الأزمات تستهلك الموارد الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، مما ترك مساحة ضئيلة للتعامل بجدية مع ملف السلام الفلسطيني الإسرائيلي. وحتى المنظمات الدولية، التي كانت تكرس جزءاً كبيراً من جهودها لمتابعة التطورات في فلسطين، وجدت نفسها مضطرة لتوزيع اهتماماتها على بؤر التوتر الجديدة.
في هذا السياق، يبدو أن القضية الفلسطينية قد وقعت ضحية لـ “تجاوز” أو “تجاهل” متعمد أو غير متعمد. فاللاعبون الإقليميون والدوليون، الذين كانوا يُتوقع منهم أن يكونوا داعمين رئيسيين للقضية، أصبحوا منشغلين بصراعاتهم الداخلية أو بمحاولات إعادة ترتيب أوراق المنطقة بما يتناسب مع مصالحهم الجديدة، مما أضعف أي جهد جاد لدفع عملية السلام أو حتى مجرد الحفاظ على الحد الأدنى من الاهتمام بالقضية.
تداعيات خطيرة على القضية
هذا التراجع في الاهتمام له تداعيات خطيرة. فقد استغلت إسرائيل هذا الانشغال الإقليمي لتكثيف سياساتها الاستيطانية، وتضييق الخناق على الفلسطينيين، وتغيير الواقع على الأرض، دون أن تواجه ضغوطاً دولية كبيرة. كما أن الانقسامات الفلسطينية الداخلية، التي كانت قائمة، قد ازدادت عمقاً في ظل غياب أفق سياسي واضح، مما يزيد من تعقيد المشهد ويُضعف الموقف الفلسطيني الموحد.
في الختام، يظل تحليل الأستاذ علي الجرباوي تذكيراً مؤلماً بأن القضية الفلسطينية ليست مجرد قضية إنسانية أو سياسية، بل هي بوصلة أخلاقية للمنطقة والعالم. ومن الضروري، رغم كل التحديات، أن نعمل على استعادة مكانتها المركزية وأن نرفض أن تصبح “صراعاً منسياً” في زحمة حروب لم يجنِ منها أحد سوى الدمار والخراب.
Source: Original Article




